محمود صافي

125

الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه مع فوائد نحوية هامة

وأكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها ، ويجهلون الدقائق الكامنة في وضعها حيث وضعت ، وهنا عدّى فعل هدى إلى الحق بإلى مرتين ، وفي الثالثة عدّاه باللام ، والنحاة يغفلون عن هذا السر ويقولون : إن ما يصح جره بإلى يجوز جره باللام التي تفيد الغاية مثلها ، ولا عكسه ، فلا يقال في قلت له ، قلت إليه ، ويقولون : الماء في الكأس لأن في للظرفية ، ويجيزون التعدي بالباء لأنها تخلفها في الظرفية . ولا يجوز أن يقال في مررت به : مررت فيه . إذا تقرر هذا نقول ، واللّه أعلم ، إن هناك سرا وراء الصورة ، فالهداية لما أسندت إليهم وجبت تعديتها بإلى التي تفيد البعد ، كأنها ضمنا بعيدة عنهم ؛ ولكنها لما أسندت إلى اللّه تعالى ، وجب تعديتها باللام التي تفيد القرب ، كأنها من خصائصه وحده ، وملك يمينه ، وهو المنفرد بها على وجه الديمومة والكمال . الفوائد حلّ لإشكال . ورد في هذه الآية قوله تعالى أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى قد يقول قائل : الأصنام جماد ، لا تتصور هدايتها ، ولا أن تهدى ، فكيف قال : إلا أن يهدى ؟ فقد ذكر العلماء في ذلك وجوه : 1 - أن معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال من مكان إلى مكان ، فيكون المعنى أنها لا تنتقل إلا بفعل فاعل ، فبيّن سبحانه وتعالى عجز الأصنام . 2 - أن ذكر الهداية في حق الأصنام على وجه المجاز ، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة ، وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل ، عبر عنها بما يعبر به عمّن يسمع ويعقل ويعلم ، ووصفها بهذه الصفة وإن كان الأمر ليس كذلك . 3 - يحتمل أن يكون المراد من قوله هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الأصنام ، ومن قوله هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ رؤساء الكفر والضلالة ، فاللّه سبحانه تعالى هدى الخلق إلى الدين بما أظهر من الدلائل الدالة على وحدانيته ، وأما رؤساء الكفر والضلالة فإنهم لا يقدرون على هداية غيرهم إلا إذا